سهيلة عبد الباعث الترجمان
371
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
نسبة كون الأشياء في هذه الخزائن محفوظة موجودة للّه ، ثابتة لأعيانها غير موجودة لأنفسها ، فبالنظر إلى أعيانها هي موجودة عن عدم العدم ، وهو وجود ، فإن شئت رجحت جانب كونها في الخزائن فيقول : أوجد الأشياء من وجودها في الخزائن إلى وجودها في أعيانها للنعيم بها ، وإن شئت قلت أوجد الأشياء عن عدم ، فهو الموجد لها على كل حال في الموطن ، أي يظهر ما فيها لأعيانها " « 1 » . وللكرم الإلهي وعطاؤه أكبر الأثر في إيجاد الموجودات جميعها لذلك يربط ابن عربي خروج الموجودات من العدم إلى الوجود بالكرم الإلهي والعطاء الرباني فيعتبر هذا الوجود منّة من اللّه وهبة لهم فيقول : " . . . لأنهم لو علموا أنهم ما خرجوا من العدم إلى الوجود إلا بالمنّة والوهب ، وهبه اللّه لهم فأوجدهم ، فلم يكن لهم تعمّل في ذلك وهم في غاية الالتذاذ بوجودهم " « 2 » . وعليه يمكن القول بأن ابن عربي لم ينف الخلق من العدم ، بل قال به مميزا بين العدم الإضافي والعدم الامتناعي المطلق ، فيصور عملية الإيجاد بفعل كلمة التكوين " كن " وما لها من أثر في الإيجاد ، فهي كلمة وجودية ، وميز معنى العدم عن الوجود فيما عليه الأعيان وما يستوجبه إيجادها من فعل فيقول : " أنظر إلى كلمة " كن " في الوجود كيف ألحقت المعدوم بالموجود ، ولا تتوجه هذه الكلمة على الموجود بالعدم ، فإنه ليس لها في الردّ إلى القدم قدم لأنها كلمة وجودية تطلبها الربوبية ، والعبودية محصول الأعيان في الأكوان ، ولهذا يقال فيمن عدم : قد كان ، والعدم لمن انعدم نفسانيا ، والوجود كرم إلهي امتناني ، والذي ذهب إليه أهل الكلام في هذه الأقسام أن انعدام العرض لنفسه لا الأجسام لكون الخالق خالقا والعالم مفتقرا إليه على الدوام . . " « 3 » وإن صحّ القول أن ابن عربي قد أنكر العدم فعلا فهو العدم المطلق ، وهو مأخذ عليه إذ حامت حو - له الظنون بأنه يقول بقدم العالم لأن الموجودات جميعها كانت في الوجود العلمي قبل وجودها العيني .
--> ( 1 ) البرزنجي ، الجاذب الغيبي ، مصدر سابق ، ص 375 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 38 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الرابع ، ص 47 .